توغلنا بالجيب السوداء في بحر الرمال المحيط بمنطقة الخوانيج بدبي. طلوعًا على الكثبان ونزولًا منها مثل خنفساء تلهو في الصحراء، حتى تعبت سيارة صاحبي، فأراحها على كثيب، وجلسنا ندخّن السجائر ونقشّر البصل.
كان هذا في شتاء 1994، وكنا دون العشرين، وقلتُ بينما أدفع بقدمي القشور بعيدًا: تُرى هل سأتزوج يومًا وأنجب أطفالًا ويكون لنا بيت؟ فعلّق صاحبي: يا رجل، أنت لا تزال تغطي رائحة الدخان بالبصل!
بعد سنوات، كنا في البلدية نختار قطعًا متجاورة في منطقة غير مأهولة أُطلق عليها اسم «الورقاء»، وعند التوجّه إلى هناك للمعاينة، كان يبدو أنه المكان نفسه الذي جلست فيه يومًا مع صاحبي.
وتحقق كل شيء: زوجة وأولاد ومنزل.. لكن مع تعبيد المنطقة، لاحظنا فارقًا يتجاوز ستة أمتار في مستوى سطح الشارع ما بين نقطة دخولنا إلى الحي السكني وبين النقطة التي تقع فيها مساكننا، وبالخارطة الصحراوية: ثمة بيوت في أعلى الكثبان، وبيوت في أسفلها، وبيتي في أسفل سافلين.
لا مشكلة، فنحن نعرف طبيعة الأرض، لكن لم نكن نعرف طبيعة السماء. فرغم أنها لا تمطر إلا نادرًا، إلا أن ندرة المرات تقابلها وفرة في الكميات، وبدأت البهجة بالغيث إذا همى تنسل من حياتي، فالمياه تنحدر من كل مكان وتلتقي أمام بيتي.
ورغم وجود شبكة صرف، إلا أنها تعجز عن تصريف المياه أولًا بأول، وقد تُخرج ما شربته في بادئ الأمر، ولا تستعيد قدرتها إلا في اليوم التالي، وخلال هذا الوقت يكون بيتي في وسط بحيرة ذات شواطئ في بيوت الجيران.
وأنا من النوع الذي يؤمن بأنه محميٌ من الكوارث لحكمةٍ لا أعرفها، فالمياه لم تتسرب إلى الفيلا لنحو 19 سنة، وفي سنة من السنوات وصلت إلى حافة الدرج الأخير، لكنها لم تدخل، ولن تدخل، لأنني محميٌ من الكوارث.
ومع هذا، لم أرتح لصور الأقمار الصناعية لمنخفض «الهدير»، فألوان السحب كانت قاتمة وأشكالها مخيفة، فخرجتُ أعبئ أكياس الرمل، ومع الساعات الأولى ليوم 16 أبريل 2024، أخذت أصفّ الأكياس أمام بوابة المنزل، وقلتُ بشيء من الثقة إنّ هذه الأكداس ستعصمنا حتى من طوفان نوح.
وفي الصباح، نظرت بامتنان إلى أكياس الرمل، فثمة هجوم من المياه وثمة دفاع من الأكياس، وهكذا بقي الأمر سجالًا بين الطرفين حتى هطلت موجة أشد، فإذا الأكياس تغرق في شبر من الماء، وبعد فترة أخرى بلغت المياه السلالم، وفي منتصف النهار كانت فوق السجّاد.
يبدو أنني لستُ محصّنًا، وكل الكوارث التي أراها في التلفزيون قد تقع لي، لكن بقي لديّ اعتقاد ضعيف بأنّ هذا أقصى ما سأمتحنه اليوم، لحكمةٍ لا أعرفها، خصوصًا مع توقف الأمطار فجأة. لذا جلسنا على المقاعد نتناول الغداء ونداعب بأرجلنا الماء.
ولم نكن ندري ما الذي يدور من فوقنا، فقد كانت سحابة خضراء هائلة تتقدم، مبتلعةً السحب الزرقاء الطيبة التي نعرفها وتعرفنا، وفجأة انهمر مطر شديد كأنه مطر دانتي في «الكوميديا الإلهية»: ثقيل ويعوي فوق رؤوس التعساء، وما هي إلا لحظات، وإذا بالمياه تغطّي أسَرّة النوم وتقتحم خزائن الثياب، ثم تتجاوز ركبتيّ، ولم يعد لدي أي وهمٍ بأننا محميّون لحكمةٍ لا أعرفها.
لا عاصم اليوم من العاصفة المطرية، فالبيت من دورٍ واحد، نصفه مغمورٌ. وعلى عجل، أفردنا لكل واحد منّا حقيبة لأغراضه المهمة جدًا، ولكن كان من المحال دفع البحيرة وفتح الباب، وكانت النافذة هي السبيل.
إلى أين؟ لا يمكن الخروج إلى الشارع من دون قبطان وسفينة، وهكذا غاص ولدي حتى عثر على سُلّم، وأسنده على سور بيت شقيقي، وارتقيته على وَجل، وفي الطرف المقابل كانوا يسندون سُلّمًا، وعلى الجدار الفاصل حيث المصابيح والمسامير استقبلتُ أولادي الأربعة تباعًا، أصغرهم في العاشرة وأكبرهم في العشرين، ومعهم الخادمة التي كانت لا تدري بأي بحر تموت، فقد قدِمت إلى البلاد بالأمس.
وبعدما وصل أولادي إلى برّ الأمان حيث بيت والدي الملاصق لبيت شقيقي، عدتُ إلى زوجتي التي كانت تحاول إنقاذ ما تبقى لنا، وخضتُ معها في ذلك وأنا أدخّن وأبكي، وفي دقائق أمسى ثلاثة أرباعي في الماء، وقررنا الاكتفاء بالأشياء الثمينة جدًا، ومنها أرواحنا، خصوصًا أنّ الكهرباء لم تكن قد انقطعت بعد، وثمة فرقعات في المقابس وروائح أسلاك تحترق.
لا شيء في الفناء سوى أعالي الأشجار، كأنه بحيرة مانجروف، وتذكرتُ الذي لامني مرةً لأنني غرّدت في موقع «إكس» أشكو أحوالي، لكن لم أشعر نحوه بشيء، فلا يُلام أهل الساحل حين لا يدرون بأهوال أهل البحر، وإنما استحضرت أوجاع راشد الخضر:
| أنوح كنّي في بحر نــــــــــــــــــــــوح | وأنت بسفينة نوح ناجي |
| آنا بسما ومَا، وأنت بسيوح | شتّان: مستانس وشاجي |
السماء من فوقنا ملبّدةٌ بخضرةٍ مظلمة: ترعد وتبرق ولا تزال تسكب، والريح تقصف الوجوه بحبات الماء، ورؤوس الأشجار تتمايل يمنةً ويسرة كأنّ بها مسًّا، والمياه في الفناء صارت باردة تحيط بأعناقنا، والمسافة قصيرة جدًا وطويلة جدًا.
بسم الله مجرانا ومرسانا، واضعًا يدي اليمنى على كتف زوجتي لأحفظ توازنها، بينما أترنح خلفها، ويدي اليسرى تمسك بحقيبة ثقيلة فوق رأسي، ونحن نخطو بحذر في المياه وبين الأشجار وخلال العاصفة، وثمة أشياء من صندوق الدنيا طافية من حولنا: حفّاظات، وأحذية، وخنافس، والكثير من الغثاء.
طلوعًا بسُلّم إلى حائط، ونزولًا من حائط على سُلّم، وعلى رأسي حقيبة كبيرة، وبين يدي وأرجلي إنسان عزيز، ونظرة عجلى إلى الوراء حيث الحلم القديم: زوجة منهكة وأولاد مذعورين وأطلال بيت.
وفي فناء بيت والدي وقفتُ أمسح دموعي وأستعيد نفسي، فلم أشأ أن يرى آثار النواح في عيني وملامح الانهيار على وجهي، فهو شيخٌ مرهف الأحاسيس. وفي الأثناء لمحت بصلة عائمة، وفكرت في التقاطها لأغطي رائحة الدخان قبل أن أقبّل يد والدي، فإذا هي تفرّ مسرعة لحكمةٍ لا أعرفها.

اترك رد