يخرج شخص من بين الأحراش في مكان ما من أوغندا، ويستوقف سيارة عابرة تسير على طريق ترابي طويل. يتبيّن أن سائق السيارة شرطي، وأن الرجل رسّام غارق في الدماء، فيستوضحه الشرطي عن إصاباته، فيروي له قصة اختطافه على يد فتاتين وتعذيبه من قِبلهما، انتقامًا منه بسبب رسمه السيد المسيح بصورة هزلية.
ويبدو أن الشرطي لا يصدّق روايته، لكنه يجاريه، ويفترض معه أن الفتاتين مسيحيتان، ما دامت قد انتقمتا منه بسبب سخريته من رمز ديني. فيجيبه الرسّام بأنه لم يسألهما عن ديانتهما. وعندما يستفسر الشرطي عمّا إذا كان يعتقد أنهما مسلمتان، يستبعد هذا الاحتمال مستندًا إلى أن للمسلمين نبيًّا «خاصًّا بهم»، فيؤيده الرسّام بالقول إن الفتاتين لم تكونا ترتديان الحجاب.
ورغم أن هذا المشهد ورد في فيلم أوغندي يحمل عنوان «الفتاة ذات القميص الأصفر»، فإن ما يستحق التوقف عنده هو استغراب الشرطي من احتمال تورط فتاتين مسيحيتين في اعتداء جسدي بدافع ديني مسيحي، في الوقت الذي لم يجد فيه حرجًا في افتراض أن تكونا مسلمتين، وكأن العنف الديني صفة أقرب إلى المسلمين منها إلى أتباع الديانات الأخرى.
فالإسلام يعود إلى واجهة الأحداث العالمية مقرونًا بالعنف كلما ارتكب أشخاص من أصول إسلامية جرائم إرهابية، كما حدث مع هادي مطر، الأمريكي من أصول لبنانية شيعية، الذي وجّه عشرات الطعنات الغادرة إلى الروائي سلمان رشدي، أثناء استعداد الأخير لإلقاء محاضرة في معهد بولاية نيويورك، في ما بدا أنه تنفيذ للفتوى الصادرة بقتله.
وعقب وقوع مثل هذه الحوادث، وما إن تُربط الجريمة بالخلفية الإسلامية لمرتكبها، حتى ترتفع أصواتنا، نحن المسلمين، بالسؤال الاستنكاري المعتاد: لماذا تُستدعى الخلفية الدينية للإرهابي إذا كان مسلمًا، بينما لا تُستدعى إذا كان ينتمي إلى دين آخر؟
وقد تكون لهذا السؤال إجابات متعددة؛ فقد نقول إن ذلك نتيجة صورة نمطية تشكّلت عن المسلمين، أو إنه جزء من لعبة صراع الحضارات، أو محاولة لتشويه الإسلام ووقف انتشاره، وقد نقول إن الغرب لا يستطيع العيش من دون عدو مفترض. وكل هذه تفسيرات قد يكون لبعضها نصيب من الحقيقة، لكنها لا تلغي وجود إجابة أخرى تخصّنا نحن وحدنا، وهي أن هناك بالفعل من يدعو إلى العنف باسم ديننا.
والأمر الأكثر خطورة أن هؤلاء الذين يدعون إلى العنف باسم الإسلام ليسوا مجرد أشخاص عاديين لا يمثلون إلا أنفسهم، وإنما بينهم رجال دين يتمتعون بثقل ديني ومكانة رفيعة لدى أتباعهم، وتُمنح فتاواهم سلطة دينية تجعل بعض هؤلاء الأتباع يرون في تنفيذها واجبًا لا يجوز التراجع عنه. فهادي مطر يبدو أنه وجد نفسه مكلّفًا بتنفيذ فتوى أصدرها إمام يعتقد أن له عليه السمع والطاعة، وأعني بذلك الفتوى التي أصدرها روح الله الخميني بإهدار دم سلمان رشدي بسبب روايته «آيات شيطانية».
وقد لا نجد في المقابل شخصيات تتمتع بالمكانة الدينية ذاتها، وتدعو علانية إلى ممارسة العنف باسم دين آخر في عصرنا الحاضر. ولا يمكننا التهرّب من مواجهة هذه الحقيقة باستحضار السجل التاريخي للعنف الديني لدى الآخرين، كإحراق الناس ومحاكم التفتيش التي اندثرت منذ قرون. فنحن أبناء اليوم، والعنف الذي يُمارس باسم ديننا يحدث اليوم، ولا يكفي أن نذكّر الآخرين بما ارتكبته أديانهم في الماضي كي نتجنب مواجهة ما يحدث باسم ديننا في الحاضر.
ولعل الفيلم كان منصفًا حين استكمل ذلك المشهد بعبارة قالها الشرطي، بعدما افترض أن الاعتداء ربما كان ذا طابع مسيحي: «لقد آن الأوان لكي يصبح المسيحيون متطرفين مجددًا». أما الرسّام فيتعجب من كلمة «مجددًا»، فيجيبه الشرطي بأن المسيحيين أصبحوا ودودين الآن، لكنهم كانوا في زمن سابق متطرفين للغاية. ثم يسأله مستنكرًا: هل يظن أن المستعمرين جاءوا إلى أفريقيا، واستولوا على أراضي أهلها، ثم قدموا لهم الكتب، فاقتنعوا بمعتقداتهم الجديدة فورًا، وانصرفوا إلى الغناء والرقص؟

اترك تعليقاً