الرئيسية / المقالات /

الأمر أكبر من «زمانه خرابه»

يظهر المسؤول مرتديًا فستانًا أحمر وواضعًا أحمر الشفاه

قد تقفز إلى الذاكرة الأغنية الهندية الشهيرة «زمانه خرابه» حين تقع عين المرء على الصور التي انتشرت على نطاق واسع لمسؤول أمريكي رفيع عُيّن في وزارة الطاقة الأمريكية، غير أنّ صوت الأغنية سرعان ما يخفت، ليدرك المرء أن الأمر أكبر من مجرد فساد الزمان الذي اشتكى منه ذلك المغني الهندي.

فقد عيّن الرئيس الأمريكي جو بايدن سام برينتون في منصب نائب مساعد وزير الطاقة لشؤون الوقود المستهلك والتخلص من النفايات، في إطار توجه إدارته نحو تعزيز سياسات «التنوع والمساواة والشمول». وبرينتون شخص غير ثنائي الهوية الجندرية، ويستخدم ضميري الجمع في الإشارة إلى نفسه. ومن هنا اكتسب تعيينه بُعدًا يتجاوز طبيعة الوظيفة التي أُسندت إليه، وأصبح يُقدَّم بوصفه نموذجًا للتمثيل الذي تسعى إليه تلك السياسات.

على أنّ الصور المتداولة لذلك المسؤول لم تكن تتحدث عن التنوع أو المساواة بقدر ما أثارت جدلًا حول طبيعة القيم والأفكار التي تسعى بعض المؤسسات السياسية إلى تكريسها، وحول الحدود الفاصلة بين احترام الاختلاف وفرض تصورات بعينها على المجتمع. ففي بعض تلك الصور يظهر برينتون مرتديًا فستانًا أحمر وواضعًا أحمر الشفاه، وفي صورة أخرى يظهر مرتديًا فستانًا أسود، بينما يحيط به رجال في أوضاع تحاكي هيئة الكلاب. وقد يصعب العثور، بين الصور التي جرى تداولها على نطاق واسع، على صورة له في مظهر تقليدي لمسؤول حكومي، بغض النظر عن هويته الجندرية أو ميوله الشخصية.

وهنا نصل إلى المفارقة التي يستحق الأمر التوقف عندها؛ فما كان يُعدّ أمرًا عاديًا في نظر غالبية البشر عبر التاريخ، لم يعد كذلك في قاموس بعض دعاة التنوع، إذ أصبح العادي عندهم ألا تكون هناك معايير ثابتة لأي شيء، وألا يُسمح حتى بمناقشة تلك المعايير. ومن حق أي إنسان أن يتبنى ما يشاء من أفكار، وأن يدعو إليها، وأن يعيش بالطريقة التي يختارها، لكن إلزام الآخرين بقبول تلك الأفكار، واعتبار كل من يعترض عليها متخلفًا أو متطرفًا أو مستحقًا للإقصاء والنبذ، لا يندرج تحت مسمى الحرية، وإنما هو شكل آخر من أشكال الوصاية.

وحين تصدر هذه الوصاية عن جهة سياسية نافذة، فإنها تتحول إلى أداة للتدخل في شؤون الدول الأخرى. فالأمر لم يعد سجالًا بين الأمريكيين وحدهم، ولا خلافًا بين التيارات التي تقود الحمار الديمقراطي أو تلك التي تمتطي ظهر الفيل الجمهوري، وإنما أصبح جزءًا من مشروع أوسع لتصدير صراع القيم إلى العالم، ومحاولة جعل التصورات الاجتماعية والثقافية السائدة في الغرب معيارًا يُقاس به تقدم الشعوب ومدى استحقاقها للاحترام والقبول.

وثمة فرق كبير بين أن تعيّن دولة ما مسؤولًا يظهر بالطريقة التي يختارها، مهما بدت غير مألوفة للآخرين، وبين أن يتحول هذا التعيين إلى رسالة سياسية تتجاوز حدود الدولة نفسها. فأن يأتي التعيين في سياق سياسة التنوع لا يعني بالضرورة خلوّه من أبعاد سياسية أخرى، خصوصًا حين توضع مثل هذه القضايا ضمن قائمة طويلة من الملفات التي تستخدمها الدول الغربية في علاقاتها مع بقية العالم، من حقوق الأقليات الدينية والجنسية، إلى حقوق العمال والإنسان، وإرساء الديمقراطية، ومكافحة معاداة السامية.

ولا ينبغي التقليل من الدور الذي أدّاه الغرب في تحسين أوضاع بعض الفئات حول العالم، أو إنكار ما تحقق بفضل الضغوط الدولية في بعض المجالات. وفي المقابل، لا يصح التعامل مع ذلك الدور وكأنه عمل خيري منزّه عن المصالح، أو افتراض أن الدفاع عن الحقوق لا يمكن أن يتقاطع مع حسابات النفوذ والمكاسب السياسية.

ويبدو أن اختبار الأمم والشعوب، ومن ورائها الدول والحكومات، في مدى تمسكها بقيمها ومبادئها، بات أحد أساليب الضغط السياسي الجديدة، تحت عنوان الدفاع عن حقوق الأقليات. فحين ترفض دول كثيرة خارج المنظومة الغربية تبني بعض التوجهات الاجتماعية والثقافية أو إضفاء الشرعية القانونية عليها، تجد نفسها في مواجهة اتهامات جاهزة بالتخلف وانتهاك الحقوق، وقد تصبح مطالبة بتقديم تنازلات في ملفات أخرى حتى لا تُدرج في قائمة الدول التي لا تحترم المعايير الدولية.

وهكذا لم تعد المسألة مجرد مسؤول يرتدي فستانًا أو صورة تثير الاستغراب، وإنما أصبحت جزءًا من معركة أوسع حول من يملك حق تعريف القيم، ومن يضع معايير احترامها، ومن يفرضها على الآخرين. وهنا فعلًا يصبح الأمر أكبر بكثير من «زمانه خرابه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *