هل يحق قول كل شيء؟

هذه الأخت قبيحة وتلك «عبيطة» وهذه الخالة مسترجلة وتلك زوجها لص

في السير الذاتية، ليس الجميع مثل روسو الذي قرر أن يعرّي نفسه في كتابه «اعترافات». هو نفسه يقول إنه حين ينفخ البوق يوم القيامة سيقف بين يدي الله وكتابه بيده: سجلّ كامل، فيه ما فعل وما فكّر وما تمنّى، حتى تلك المرات التي أسرف فيها في الأكل أو الحب.

ورغم أنّ الأوروبيين صار عندهم البوح بلا سقف، إلا أنّ المسطرة عندهم ليست واحدة. النرويجيون مثلًا عاشوا صدمةً قومية مع «كارل كناوسغارد» حين كتب سيرته «كفاحي»، وكشف أدق تفاصيل حياته العائلية، لدرجة أنّ الإعلام صار يطارد أقاربه كأنهم مجرمون هاربون، بينما هم أبرياء لم يفعلوا سوى أن وُلدوا في عائلة لديها كاتب لسانه أطول من عمره.

أما عندنا، فخذ مثلًا لويس عوض، المفكّر والمؤلف، وريث طه حسين كما يُوصف. لم يذهب إلى حدّ روسو، لكنه كتب ما يكفي ليزلزل بيت أسرته العربية الشرقية. ففي 1990، وقبل وفاته بأسابيع، صدرت مذكراته «أوراق العمر». والكتاب في أصله محاولة لتشريح مصر: تاريخها السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي، لكنه اختار أن يبدأ التشريح من الطاولة الأقرب، أي من أهله وأسرته. فتح الخزانة العائلية كمن يفتح نافذة على البلد كله.

فجاءت النتيجة كالتالي: هذه الأخت قبيحة، وتلك «عبيطة»، وهذه الخالة أرملة مسترجلة، وأخرى تزوجت من لصّ محترم المهنة. أما طانيوس، زوج ابنة شقيقته مادلين، فكان يضرب موظفيه في البنك كهاوٍ يمارس الملاكمة الإدارية، ثم انتهى به الحال أن زوجته أشهرَت إسلامها للهرب من قيود الطلاق القبطي، فتزوجت مسلمًا، ثم خطر ببالها أن تعود إلى دينها الأصلي! مسلسل درامي كامل بُثّ مجانًا في كتاب.

ويحكي لويس أيضًا أنه تعلّم معنى الظلم من مشاهدة أمه تعمل كالآلة في البيت، بينما والده يتمدد كسائح دائم على الكنبة، يقرأ الصحف ويحتسي النبيذ، فخرج من المشهد بدرس عميق عن المساواة بين الجنسين في المجتمع المصري.

ولكي يُظهر للقارئ نماذج المغتربين المصريين، أخذ يشرح كيف تشكّلت عقول أولاد شقيقه فيكتور الذين عملوا في دول عربية، وكأنهم حالات دراسية مجانية لعلماء الاجتماع. ثم لم يوفّر حتى شقيقه الأصغر رمسيس، المعروف أكاديميًا وثقافيًا، إذ قال عنه إنه يغار منه لكنه يخفي غيرته تحت قناع هادئ، لأنه يدرك أنّ جهده كله لن يوصله إلى ربع ما وصل هو إليه من مكانة.

أما زميلته الجامعية، فقد كتب عنها كأنها بطلة رواية رومانسية رخيصة: لم تصرّح له بأي مشاعر، لكنها كانت «تمدّ الشباك» كما وصف، ثم تفضّل وأعطانا اسمها الرباعي ومكان عملها وتاريخ وفاتها، والحال أنّ المرأة ذات ذرية غالبًا وقد يحرجهم ذلك.

الأسرة شربت المرارة بعد نشر «أوراق العمر»، وبعد وفاة صاحبها حاولوا لملمة الفضيحة العائلية، فمنعوا إعادة الطبع، باعتبار أنّ حقوق ملكيتها انتقلت إلى ورثته إلى خمسين عامًا، لكن كالعادة، المنع عندنا يزيد الرغبة، فالمذكرات تسللت وظلّت متداولة.

ولا يمكن لكاتب سيرة ذاتية تجنب أسرته وإلا كان كأنه مقطوع من شجرة، ولا معنى لسيرة دعائية كأنها لمنتجات وليس لبشر خطّائين، ولا قيمة لسيرة يظهر صاحبها كظلٍ لما يروي، ولا حاجة للقارئ بسيرة معلومات موجودة في «غوغل»..

ولكن إلى أي حدّ يحق للكاتب قول كل شيء؟ وهل يجوز له تحليل ظواهر مجتمعه من خلال سلوك أهله؟ وهل فضح أسراره، وهو حرّ فيها، عمل صائب إذا كانت تتقاطع مع أسرارهم؟ أم أن الحرية هنا مثل وصفات الطبخ: يُسمح لك أن تضيف الملح، لكن ليس أن تحرق البيت؟

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد أميري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة