الرئيسية / المقالات /

أمراض السيد عبّاس ومستر لوكاس

أوضاع العرب غير السارة ليست ناشئة عن كونهم عربًا

لن تشفى قروح السيد عبّاس إذا أصبح السيد لوكاس يعاني هو الآخر قروحًا، لكن إصابة هذا قد تمنح ذاك الأمل بالشفاء؛ لأنّ السيد عبّاس أضحى مدركًا أنّ قروحه ليست نتيجة عامل وراثي يتعلق بأسلافه، وإنما تحدث لأسباب موضوعية لا تفرّق بينه وبين السيد لوكاس.

ففي غضون أسابيع قليلة، أظهر ما يسمى بـ«العالم الأول» معدنه، الذي تبيّن أنه لا يختلف عن معدن ما يسمى أيضًا بـ«العالم الثالث»، وكل ما هنالك أنّ ذلك المعدن كان مطليًا بذهب الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة، ومع تعرّضه لنار الحرب والتهديد والاضطراب، انحسر عنه بريقه واستحال قطعة معدنية عادية.

فقد كانت أسوأ الأخبار، ولعقود طويلة، تصدر من المنطقة العربية: غزو، وصواريخ، ولاجئون، وميليشيات، وعنتريات، وعنصريات، والزعيم الأوحد، وقانون الطوارئ، واستدعاء التاريخ، وإقحام الدين في السياسة، وغيرها من العلل والفظائع. فكان أن انزوى الإنسان العربي منهزمًا، ورفعت المجتمعات الراية البيضاء، وساد اعتقاد بأنّ الداء كامن في الجينات، حتى قال مثقف عربي، في لحظة يأس شامل، إنّ الحل هو إلقاء قنبلة نووية علينا!

ولم يكن «العالم الأول» خاليًا في أي وقت من كل ذلك، لكن علله كانت تظهر على فترات متباعدة ومن دون تواتر، على عكس ما حدث في الأسابيع الماضية، إذ ظهرت على «العالم الأول» كل تلك العلل بالتزامن وعلى نطاق واسع، ولا تزال الأوضاع مفتوحة على احتمالات أسوأ، لتكون تلك الأمراض بحق أمراضًا بشرية لا تختص بأمة أو ثقافة أو ديانة دون غيرها.

فمن كان يتخيّل تفعيل قانون الطوارئ في دولة ديمقراطية وليبرالية مثل كندا، لا لمنع محاولات إسقاط الدولة مثلًا، أو لوقف أعمال سلب ونهب وتدمير، وإنما لوضع حد لاحتجاجات سلمية لسائقي شاحنات على قيود تتعلق بـ«كورونا»؟

أما في أوروبا، فقد عبرت دبابات أوروبية أراضي دولة أوروبية ديمقراطية، في مسعى محموم نحو اكتساح عاصمتها وإسقاط نظامها، فلم يجد السكان العزّل إلا الوقوف أمامها لإعاقة تقدمها، وتهبّ الدول الأوروبية للنجدة، لكن بالصواريخ، ويتبادل الأطراف الحوار العسكري والنووي بدلًا من لغة السياسة والدبلوماسية.

وعلى إثر هذه الحرب الأوروبية «الخفيفة»، قياسًا بالحروب التي خبرتها المنطقة العربية، صرّحت وزيرة بريطانية بأنّ بلادها تدعم إرسال مواطنين إلى أوكرانيا للقتال ضد القوات الروسية هناك، وهي فكرة تذكّرنا بـ«الجهاد».

أما العنصريات فحدّث ولا حرج؛ فهذا الرئيس البلغاري يرحّب بالأوكرانيين لأنهم «أوروبيون أذكياء ومتعلمون». ويعبّر المدعي العام الأوكراني عن ألمه لأنه رأى «أشخاصًا أوروبيين بعيون زرق وشعر أشقر وأطفالهم يقتلون كل يوم». ومراسلة قناة إخبارية أمريكية فسّرت الترحيب البولندي باللاجئين بقولها: «إنهم مسيحيون، وبيض. هم مشابهون جدًا لنا». وأما زميلتها البريطانية، فقد بكت قائلة: «هذه ليست دولة نامية من دول العالم الثالث. هذه أوروبا». وكان للدين حضوره السياسي أيضًا، فقد وصف بطريرك الأرثوذكس الروس معارضي موسكو في أوكرانيا بأنهم «قوى الشر».

انقلب الغرب على نفسه لمجرد أنه بات على أبواب الحرب والفوضى، بينما ظلّ العرب لعقود في منطقة أغلقت الحرب والفوضى أبوابها عليهم، وهي فرصة لا للشماتة، والعياذ بالله، وإنما لالتقاط العربي أنفاسه؛ فأوضاع العرب غير السارة ليست ناشئة عن كونهم عربًا، وهذا وحده يفتح باب الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *