الرئيسية / المقالات /

حين خطبت «فتكات» على نهر النيل

كيف جعلتني الدراما المصرية واحدًا منهم؟

أنا من جيل شاهد أفلام هوليوود لاحقًا بكثرة، لكن بعد أن كبرت وتشكّلت شخصيتي وأفكاري الرئيسية في الحياة. كنتُ قد أغلقت بوابة المراهقة خلفي في زمن لم تكن فيه إلا القليل من دور السينما والقنوات الفضائية، فلم أحظَ أثناء تلك المرحلة التأسيسية بمشاهدة الكثير من الأفلام الأمريكية. لذلك جاء تأثير هوليوود في وقت متأخر، أقرب إلى التسلية والمتعة البصرية منه إلى التكوين العميق.

جلّ ما شكّل وجداني التلفزيوني والإنساني كان من الأفلام والمسلسلات المصرية. كنت أتابعها رغمًا عن أنفي في طفولتي لأن الكبار كانوا مسيطرين على التلفزيون الوحيد في البيت، يريدون مشاهدة مسلسل «الشهد والدموع»، بينما كنّا نحن نلعن ذلك المسلسل لأن قناة أخرى كانت تعرض في الوقت نفسه رسوم «غراندايزر». ثم مع الأيام استهوتني تلك المسلسلات المصرية ورحت أتابعها بكل حواسي.

ولأن مصر في ذلك الزمن كانت نافذة العرب على الحكايات والدراما، فقد صار وعيي يتشكّل على صور أبطالها: نور الشريف وهو يحدق في الفراغ قبل أن ينطق جملة تهز القلوب، فاتن حمامة حين تذرف دمعة تجعلك تراجع حساباتك في الحياة، أو عادل إمام وهو يحوّل أكثر المآسي قتامة إلى ضحك يشبه الدموع.

لدرجة إنني حين سافرت إلى مصر بعد ذلك بسنوات، كان المصريون يتعجبون من كوني إماراتيًا، فأنا أتحدث اللهجة المصرية كأي مصري، أعني كيوسف شعبان وليس كشعبان عبدالرحيم. ولم يكن الأمر مجرد لهجة، بل روح مصرية تسللت إليّ: في قهقهتي، في إيماءاتي، في طريقتي في السخرية من جدّ الحياة بجدّية. كنت أشعر بأنني بينهم «واحد منهم»، وكأنني ابن القاهرة الذي ضلّ طريقه إلى الخليج.

ومن مظاهر هذا التأثير أنني هرمت وأنا أحلم بالتعرّف إلى فتاة والجلوس معها في مقهى مطلّ على نهر وبيننا مزهرية، ويأتي نادل يرتدي بذلة سوداء وبيده دفتر صغير ويسألني: «طلباتك إيه يا فندم؟»، فأقول: «واحد قهوة زيادة»، ثم أنظر إليها وأقول: «تشربي إيه؟». ثم حين يبتعد النادل أنظر إليها من جديد وأقول: «تتجوزيني يا فتكات؟»، فتهبّ واقفة وهي تصرخ: «احترم نفسك يا قليل الأدب، أنت عارف انت بتكلم مين؟»، وتهم بالمغادرة وأنا أقول: «الله، الله، الله، هو أنا قلت إيه؟».

وأذكر أنني تعرّفت في إحدى المرات على فتاة لم تكن تستطيع التحدث إليّ عبر هاتف منزلها، فأخرجت ورقة وقلمًا وكتبت رسالة غرامية، ثم مزقتها كما يفعل محمود ياسين، ثم كتبت أخرى، وهكذا إلى أن توصلت إلى أبلغ كلام عاطفي صدر مني، ثم كتبت رسالة ثانية، فثالثة، وكانت الأخيرة، ولم أكتب بعدها أي رسالة غرامية إلى يومنا هذا، ولن أكتب أبدًا، لأنني كنت أحلم بالحصول على قبلات وعناق حار، فإذا بي أحصل على صفعات على وجهي وركلات في جميع أجزائي، وقال لي قريب لها وهو يجذبني من مقدمة شعري: «تكتب رسائل؟ تظن نفسك في فيلم مصري؟».

وقررت مرة مع بعض الأصدقاء الحمقى تصوير فيلم قصير للتسلية، وكان الفيلم من مشهدين فقط: في المشهد الأول كنت أمثّل دور رجل الأمن الذي يقبض على المهرّب متلبسًا وهو يحمل حقيبة سوداء تحتوي «بودرة». وفي المشهد الثاني كنت أمثّل دور وكيل النيابة الذي لا يتوقف عن التدخين أثناء التحقيق. كنت أضحك داخليًا لأنني كنت أكرر مشاهد مصرية حفرت في ذاكرتي من دون أن أشعر، كأنّ مصر زرعت فينا سينماها قبل أن نجرؤ حتى على الحلم بكاميرا.

وكنت الوحيد من بين إخواني الذي استأجر شقة بعد زواجه ولم أسكن مع عائلتي كما فعلوا هم في بداية حياتهم. كانت زوجتي ترافقني في رحلة البحث عن شقة مناسبة، لكننا بطبيعة الحال لم نكن نبني الأحلام الجميلة أثناء ذلك كما يفعل الممثلون المصريون، وإنما نتشاجر، أو بالأحرى أنا أتشاجر وهي تمسح دموعها. لكنني كنت أستعيد مشاهد صلاح السعدني وهو يفتش عن بيت ليصنع من المأساة مهزلة، وأقول في نفسي: ربما نحن نعيش نسخة غير مرئية من فيلم مصري لم يُعرض بعد.

وأتذكّر أيضًا أنني في إحدى مراحل حياتي امتلكت سيارة «بيجو»، والحق أن الدافع الأكبر وراء ذلك كان السعر المناسب مقارنة بغيرها من السيارات، لكن لا أنكر أن الدراما المصرية لعبت دورًا خفيًا في الاختيار. فـ«البيجو» كانت ماركة متكررة الظهور في الأفلام والمسلسلات المصرية، ولها حضور خاص في الشارع المصري. بينما في الإمارات نادرًا ما تجد شابًا يقتنيها، فهي ليست ضمن السيارات المحببة لجيلنا.

كل هذه الحركات: القهوة، والنهر، والرسالة، والحقيبة السوداء، ووكيل النيابة الذي يدخن، ورحلة البحث عن شقة، وسيارة البيجو، كانت في صلب الدراما المصرية إلى نهاية القرن الماضي. ولا أعتقد أن هناك فيلمًا أو مسلسلًا مصريًا خلى من تلك العناصر. لكن الأهم من ذلك أن هذه التفاصيل صنعت فينا شيئًا أكبر من التسلية: جعلت مصر تسكننا، وتجعلنا نضحك ونتألم ونحلم بعيونها.

تغير الآن كل شيء، وسيطرت هوليوود على المشهد التلفزيوني والسينمائي، وهي التي تؤثر في أذواق وعقول الناس في الخليج، لكن أشخاصًا مثلي ومن هم في عمري باتوا محصّنين تقريبًا، لأننا تشكّلنا وتأثرنا وأصبحنا «مصاروة» وانتهى الأمر. مصر بالنسبة لنا ليست بلدًا نزوره فقط، بل هي حارة كبيرة نعيش فيها من بعيد، وباب دائم نلجأ إليه حين نحتاج أن نستعيد طفولتنا وملامحنا الحقيقية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد أميري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة