فيديو في «واتساب» لباكستاني يتوعد بلغة عربية مكسّرة إيران والشيعة بالويل والثبور. وفي «يوتيوب» مئات المقاطع لأشخاص عرب وغير عرب يوجهون الاتهامات لإيران والشيعة. وفي «تويتر» تغريدات لا تعد ولا تحصى تدين إيران والشيعة بأشدّ العبارات.
وعلى مستوى النخبة، اختار الباحث ثروت الخرباوي لكتابه عنوان «أئمة الشر.. الإخوان والشيعة أمة تلعب في الخفاء»، وتقاسم غلاف الكتاب مع حسن البنا (مؤسس الإخوان)؛ روح الله الخميني (المرشد السابق للثورة الإيرانية). وهذا نموذج للخطأ الذي أصبح بحكم الحقيقة: إيران والشيعة شيء واحد.
ورغم أن التشيع موجود منذ 14 قرنًا، فقد صار وجهًا لجمهورية إيران الإسلامية التي نشأت منذ 37 سنة. صحيح أن التشيع ومنذ عهد الصفويين اصطبغ نوعًا ما بصبغة فارسية، لكن هذه الصبغة بقيت محصورة في بعض الأسانيد والكتب، إلا أن الوضع اختلف اليوم، وصار ثلاثمائة مليون شيعي في إطار إيراني، رغم أن الإيرانيين منهم لا يشكّلون حتى ثلث ذلك الرقم.
حصل هذا بعد أن نجح ملالي إيران في اختطاف التشيّع، وإحكام سيطرتهم على الحوزات الشيعية، والأحزاب الشيعية، والإعلام الشيعي، والكتاب الشيعي، والتسويق لأنفسهم كمراجع دينيين وليس كسياسيين، وقدرتهم على خنق أي صوت شيعي يعارضهم، إلى درجة التصفية الجسدية حتى لبعض مراجع الدين الشيعة.
وجاء التحالف الإيراني مع بعض المكونات الشيعية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ليزيل ما تبقى من مسافة بين النظام الإيراني والشيعة، فصار الأمران متداخلين كأنهما روح وجسد.
ويظل الفرد الواعي قادرًا على وضع خطوط فاصلة بين نظام سياسي وبين مذهب تعبدي، ويدرك أن الأول يستغل الثاني، لكن الجماهير، وهي الأغلبية، لا تميّز، مثل الشعوب الأوروبية التي باتت تربط المسلمين بالإسلام، ويحمّلون الإسلام كدين مسؤولية إجرام ثلة من الإرهابيين.
والباعث على العداء الذي يتزايد نحو الشيعة لا علاقة له بالخلافات المذهبية بقدر تعلقه بسلوك النظام الإيراني، فالخلافات موجودة بين كل المذاهب والأديان، لكننا لا نرى تلك الحالة العدائية بين أتباعها، كما أن هذه الحالة، بهذه الدرجة من العدائية، لم تكن موجودة قبل مجيء الخميني.
وإذا كان الشيعة أغلبية في إيران، وكذلك في العراق، على الأقل في جنوبه ووسطه، وقد لا يصيبهم إلا ضرر قليل من الصورة التي تكوّنت عن الشيعة من أنهم وملالي طهران وجهان لعملة واحدة، فإن الوضع مختلف بالنسبة لبقية الشيعة المتناثرين هنا وهناك في بحر من أهل السُّنّة، وحتى في لبنان، وكذلك في البحرين، حيث الكثافة الشيعية تضيع في وسط أهل السُّنّة في البلدان المجاورة لهذين البلدين.
والسؤال: ما آثار اعتبار الشيعة في البلدان التي يشكّلون فيها أقلية خمينيون، ليس من الناحية السياسية، ولا من الناحية الحقوقية، إذ القوانين كفيلة بعدم تحميل مواطني أي بلد تبعات سلوك نظام خارجي يديره أشخاص ينتمون إلى المذهب نفسه، وإنما آثار ذلك من الناحية الاجتماعية؟!
هل يكفي في بلد أغلبية أهله سُنّة، أن نرى نائبًا شيعيًا في برلمانه، أو وزيرًا في حكومته، أو أن يكون للشيعة الحقوق والامتيازات والفرص نفسها التي يحظى بها غيرهم، لنقول إن الحياة الاجتماعية للشيعة طبيعية؟!
هل الصداقة بين أبناء المكوّنين كأي علاقة صداقة؟! هل الارتباط بين أبناء الطرفين يتم من دون اعتراضات وانشقاقات في الأسر؟! هل الجار يتمنى لو كان جاره من مذهبه وليس من المذهب الآخر؟! هل يرتاح الزميل من هذا المذهب لزميله من المذهب الآخر؟! هل ثمة مشاعر إنسانية متبادلة بين أبناء المذهبين عند المرض، عند الفرح، عند الحزن.. إلخ؟!
وبطبيعة الحال، ثمة حياة طبيعية بين بعض أفراد هذا المذهب وبعض أفراد المذهب الآخر، لكن ماذا عن الجموع، الغالبية من الجانبين؟! ومن الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر؟! أعتقد أن الإجابة واضحة، فالأقلية تتضرر أكثر، وتشعر بالعزلة أكثر، وتشعر بأنها غير مرغوب فيها أكثر، ولا يمكن أن تشعر الأغلبية بذلك.
وماذا يمكن أن يفعله الشيعة لتغيير تلك الصورة، وتجنيب أنفسهم حمل آثام النظام الإيراني، والعيش بشكل طبيعي في مجتمعاتهم التي يشكّلون فيها أقلية؟! بعض من تكلموا في هذه القضية ناشدوا الرموز الشيعية بالخروج بإدانات واضحة لأفعال النظام الإيراني، لكن ذهبت هذه المناشدات أدراج الرياح.
وأعتقد أن التعويل على مراجع الدين أمر لا معنى له، ذلك أن أكثرهم يقيمون في وسط الأغلبية الشيعية في إيران والعراق، وأي مرجع شيعي في بلد بأغلبية سُنّية، يظل محاطًا طوال الوقت بجمهوره وأتباعه، ولا يختلط بغيرهم إلا نادرًا، والحياة في نظره تبقى سمنًا على عسل.
وفضلًا عن عدم وجود أي مصلحة لهؤلاء المراجع في تحسين صورة الشيعة، فإن الخيّرين منهم والعقلاء يدركون الثمن الذي سيدفعونه لو فتحوا أفواههم ضد نظام ولاية الفقيه، وبعض المعممين الذين نراهم هنا وهناك يشنّعون على ملالي إيران، لا قيمة كبيرة لهم في أوساط الشيعة، ولا يعتد السُنة أيضًا بصراخهم وعويلهم، ولا يعتبرون مواقفهم معبّرة عن الشيعة.
ولا يبقى بعد هذا كله سوى أن يشمّر أبناء الشيعة من الأجيال الجديدة عن سواعدهم، ويبادروا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الروابط التي تجمعهم مع إخوتهم في الوطن الواحد، من خلال إدانة نظام الخميني وتوضيح موقفهم منه بشكل لا لبس فيه، المرة تلو الأخرى، والعدوان بعد الآخر، والجريمة إثر الجريمة.
وقد يقال إن الفرد الشيعي ليس مكلّفًا بالتفرّغ لتحسين صورته وتوضيح موقفه، وهو غير مطالب بذلك فعلًا، لكن ليس في الحياة التي نعيشها، وإنما في العالم المثالي الذي لا وجود له، ففي العالم المثالي لا يُطالب المواطن الصالح في بلد بإدانة أي شيء لا يمت له بصلة، لكن في العالم الواقعي الأمور لا تسير بهذه الأريحية من التفهّم.

اترك رد