الهوْهوة أمام الكلمات

الحرية تعني الجنس في الطرقات والانفتاح يعني الانبطاح

من أكثر الأشخاص غرابةً الذين التقيت بهم في حياتي شخصٌ لم يكن أحدٌ يأخذه على محمل الجد؛ وكان إذا سمع كلمة «طيّارة»، عوى بصوت مكتوم، واحمرّ وجهه، وقفز في اتجاه قائل الكلمة محاولًا معانقته، وهو يرجوه ألا يعذّبه.

كان الرجل مضحكًا، وكانوا يحشون كلمة «طيّارة» في كلامهم بقصد إثارته، ويقولون إنه ربما تعرّض في شبابه لهزّة نفسية أثناء رحلة جوية مرعبة، رغم أن مَن يتعرض لمثل ذلك قد يصاب برهاب السفر جوًا، لا برهاب سماع اسم وسيلة النقل.

ولا أعرف إلى الآن إن كان ذلك الرجل يثير تلك الجلبة من دون قصد منه، أم أنه كان يؤدي دور المهرج الهزلي، لكن ما ألاحظه أن ثمة حالة من السُّعار المصحوب بالهوْهوة تحدث لدى بعض الناس عند سماعهم كلمات مثل: الحرية، والتسامح، والانفتاح، والثقافة، والإبداع، والتنوير، وحرية التعبير، وحقوق المرأة.

ومثل الحيرة أمام حالة الرجل الذي كان يعوي، أقف اليوم حائرًا أمام الهوْهوة التي تصدر من بعض الأشخاص؛ إذ إن القيم التي يرتعبون من مجرد ذكرها هي قيم لا غنى لأي مجتمع متحضّر عنها، ولا عن تفعيل مضامينها على الأرض في صورة قوانين وسياسات وأنظمة ومبادرات وفعاليات ونمط حياة.

والأمر المحيّر الآخر أن تلك القيم ليست غريبةً على المرعوبين منها؛ فهم يعيشونها في كل مكان، ولا ينفصلون عنها حتى في غرف نومهم وأحلامهم، لكن مع هذا يسيل اللعاب من أفواههم، وتجحظ عيونهم، لمجرد ذكر تلك القيم.

ولعل أحد تفسيرات حالة رهاب سماع بعض الكلمات أن عقول الذين يعانون من هذا الاضطراب تفتقد خاصية الربط بين الأشياء، وهي الخاصية التي اشتُقّ اسم العقل منها؛ لذلك تجد الواحد منهم مستلقيًا وبين يديه هاتف، هو ثمرة «الإبداع»، يستعرض حسابات «تويتر»، وهي ثمرة «الحرية»، ثم يقع على خبر تعيين امرأة في منصب رفيع، وهذا ثمرة من ثمار الوحش الذي يوشك على التهامه، والذي يُدعى «حقوق المرأة»، فيعلّق قائلًا: «مرحى بابنة بلادي!».

ويواصل استعراض التغريدات حتى يجد شخصًا قد ذكر كلمات مثل: الإبداع، والحرية، وحقوق المرأة، فيرتجف على سريره مثل سمكة في كفّ صيّاد، ويُغمى عليه ساعةً من نهار، ثم يقوم مثل الشياطين، ويصبّ اللعنات على رأس الإبداع والمبدعين، والحرية والداعين إليها، وحقوق المرأة والمنادين بها.

وثمة تفسير آخر لرهاب سماع الكلمات، وهو أنهم بسطاء لا يعرفون معاني تلك القيم، إما بسبب الجهل الذي يرتعون بين حشائشه الخضراء، أو بسبب تسليم عقولهم لبعض المضللين الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويقدّمون تصورات مغلوطة عن تلك القيم؛ فالحرية تعني ممارسة الجنس في الطرقات، والانفتاح يعني الانبطاح أمام معارف وقيم الآخرين… إلخ من أكاذيب ومغالطات.

وعلى أية حال، ربما لا يعني هؤلاء أن هذه المنطقة صارت صفرًا على شمال الأمم المتقدمة، وأنها ما كانت لتتقدم لولا كل تلك الكلمات التي تخرجهم عن طورهم كأشخاص؛ فلا تأبه القافلة، على أية حال، بالتحاقهم بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *