الرئيسية / المقالات /

الأجنبية ليست دائمًا الشقراء ذات العيون الزرقاء

العمانية أو المصرية أو المغربية أو القمرية هي أجنبية في لغة القانون

قبل أيام خرج أحد أعضاء المجلس الوطني في الصحافة معلّقًا الأجراس على ظاهرة زواج الإماراتيين بأجنبيات، محذرًا من آثار هذه الزيجات على هوية الأبناء وانتمائهم وتمسكهم بالعادات والتقاليد والتعاليم الدينية، مستندًا في تحذيراته إلى إحصائيات صادرة عن محاكم الدولة، تشير إلى أن 29 في المئة من حالات الزواج التي تمت في العامين الماضيين كانت بين إماراتيين وأجنبيات.

وسرعان ما تحولت القضية إلى موضوع جدلي في مواقع التواصل الاجتماعي، وأجرت إحدى الصحف استطلاعًا للرأي حوله في «تويتر»، أكد 61 في المئة من المشاركين فيه أن الزواج بأجنبية يضر الهوية الإماراتية. وتشكّلت لجنة برلمانية خاصة لدراسة هذه القضية، وهذه اللجنة، بطبيعة الحال، ستخرج بتوصيات، وهذه التوصيات قد تصبح في نهاية المطاف قوانين ملزمة للجميع.

لكن مهلاً! ثمة أمور غير واضحة هنا. ففي لغة التعاملات الحكومية تعد الأجنبية كل امرأة غير حاصلة على جنسية دولة الإمارات، وحين تبادر المحاكم إلى الإعلان عن إحصائية الزيجات التي عُقدت أو وُثقت لديها، فإن الموظف المعني يكبس زرًا في كمبيوتره لزيجات الإماراتيين، وزرًا آخر لزيجات الإماراتيين بأجنبيات. لكن ما علاقة هذا النوع من الإحصائيات بمسائل الهوية والانتماء والعادات والدين؟!

هذه النوعية من الإحصائيات قد تفيد عند الحديث عن الإماراتيات غير المتزوجات، أو اللاتي يطلق عليهن «العانسات»، فيمكن عند تحليل ظاهرة غير المتزوجات الرجوع إلى إحصائيات زواج الإماراتيين بالإماراتيات، ومقارنتها بزواجهم بغير الإماراتيات، أو الأجنبيات، والاستفادة من مثل هذه الإحصائية لتكوين فهم ورأي حول تلك الظاهرة في الإمارات.

أما الاعتماد على تلك الإحصائيات لتكون مدخلًا أو أساسًا أو خلفية للحديث حول مسائل مثل الهوية والانتماء ومراعاة العادات والتقاليد والتمسك بالتعاليم الدينية، فلا أعتقد أنه أمر صحيح؛ لأن خلفية الحديث غير مرتبطة بالحديث، أو لا تصلح تلك المقدمة للوصول إلى تلك النتائج.

ولماذا لا تصلح تلك الإحصائيات خلفية لموضوعات الهوية والانتماء والدين والعادات والتقاليد؟ لأنها ببساطة لا تفرق بين الأجنبية التي تنتمي قلبًا وقالبًا إلى بلد مثل النرويج أو البرازيل أو الكونغو أو تايوان، وبين «الأجنبية» التي تحمل الجنسية السعودية أو العمانية أو القطرية أو المصرية أو المغربية. ولا تفرق بين الباكستانية المسلمة أو الفلبينية المسلمة، وبين الكندية المسيحية أو الصينية التي كانت تعتنق البوذية قبل زواجها بالإماراتي، ولا تفرق حتى بين «الأجنبية» الحاصلة على جنسية جزر القمر، والتي قد تكون من فئة ولدت وعاشت في الإمارات، وكانت تحمل صفة «البدون» قبل أن تعدل أوضاعها، وبين الأجنبية التي قدمت إلى الإمارات كسائحة أو عاملة، ثم التقت بإماراتي وتزوجت منه.

كل هذه الفروقات لا تظهر في تلك الإحصائيات؛ لأنها مأخوذة من نظام حكومي يعتمد التعريف القانوني للأجنبية، وهي المرأة غير الحاصلة على جنسية الإمارات، بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

وعند الحديث عن هوية الطفل المولود من زواج إماراتي بأجنبية، أو انتمائه، أو التربية التي سيتلقاها، أو العادات التي سيكتسبها، أو القيم التي ستزرع فيه، أو الدين الذي سيتبع تعاليمه، ينبغي أن تكون على طاولة المتحدث إحصائيات أكثر دقة وشمولًا، توضح هوية الأم، وليس جنسيتها فحسب، وانتماءها، ودينها، ومسقط رأسها، ومحل نشأتها، ومكان تعليمها، بل حتى عمرها عند الزواج. فكل هذه العناصر تدخل في تشكيل هوية الإنسان، وليس جنسيته فقط.

أعني أنني لا أستطيع أن أقول إن خليجية ولدت هنا، ونشأت هنا، وتلقت التعليم هنا، وعملت هنا، وكانت عائلتها ولا تزال تعيش هنا، تتساوى في موضوعات الهوية والانتماء والعادات والتقاليد والديانة مع سائحة أو موظفة أوروبية الأصل والنشأة والتعليم تزوجت بإماراتي.

وفي اعتقادي أن الموضوع برمته فيه نوع من التهويل، خصوصًا بعد أن أخذ طريقه إلى المجلس الوطني وشُكلت لجنة لدراسته؛ إذ إن افتراض وجود خلل في هوية الطفل ونقص في انتمائه لمجرد أن أمه أجنبية، هو افتراض وتصوّر وانطباع شخصي. فكيف إذا كان مدلول كلمة «الأجنبية» في لغة القانون يختلف جذريًا عن مدلوله في لغة الناس؟ فبينما هي في نظر القانون غير الحاصلة على جنسية الدولة، فإنها في نظر الناس تلك الشقراء ذات العيون الزرقاء التي تحمل جروًا بين يديها وترتدي تنورة قصيرة؟!

وليس المقصود من هذا الانتقاص من المرأة الشقراء ذات العيون الزرقاء، أو تصويرها كأنها غير جديرة بتربية الطفل الإماراتي تربية سليمة، فليس هذا اعتقاد كاتب هذه السطور، ولا هذا هو الغرض من كتابتها، وإنما وضع النقاط على الحروف، والتأكيد على أنه لا يمكن تكوين رأي سليم من دون إحصائيات شاملة ودقيقة. ولا يمكن تصوير أمر على أنه ظاهرة مقلقة تهدد الهوية الوطنية، وتزيد في خلل التركيبة السكانية، ونحن لا نعرف من هي الزوجة أو الأم الأجنبية، ومن أي أصل تنحدر، وإلى أي ثقافة تنتمي، وإلى أي حضارة تنتسب، وأين ولدت ونشأت وتعلمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *