تقول الطرفة غير الطريفة إن «سوسو» خرجت مع صديقاتها في رحلة إلى البحر، وعند عودتها سألها زوجها، فقالت كانت الرحلة رائعة لولا أن ملثمين هجموا علينا أثناء تبديل الملابس وفعلوا ما فعلوا إلا مع «لولو»، وبعد صعودنا الحافلة لحقوا بنا وفعلوا ذلك مرة أخرى إلا مع «لولو»، وفي الطريق تكرر الأمر إلا مع «لولو». فسألها زوجها: ولماذا يا «سوسو» تركوا «لولو»؟ فقالت: «لولو» لم تكن ترغب في ذلك!
وفي طرفة غير طريفة أخرى، أن لصوصًا تسللوا إلى منزل سيدة عجوز وأخذوا ينهبون ما فيه وهي واقفة تنظر إليهم، وأثناء خروجهم بالمسروقات استوقفتهم وسألتهم بحنق: أين الاعتداء الذي سمعنا أنكم تفعلونه؟!
وهكذا العشرات من النكات التي تدور حول فكرة أن المرأة تريد أن يحدث لها ذلك، على عكس «مزاعمها» بأنها تفضّل الموت على الاعتداء على شرفها. وأعتقد أن صانعي هذه النكات لا يجرؤون على القول بشكل جدي إنها تريد ذلك، لذلك يلبسون ما يعتقدونه في المرأة ثوب النكتة.
وأحيانًا يتم تصوير شبق المرأة بطريقة «حلال»، منها الحكاية التي تُروى في كتب التراث عن أعرابية، كلما أغضبها زوجها في النهار زحف نحوها في الليل، فتقول له: ما هذا يا أبا فلان؟! أكلما أغضبتني جئتني بشفيعٍ لا يُرد له طلب! فليس قلب المرأة الذي يغفر ويسامح، ولا عقلها الذي يقبل العذر، وإنما جهازها التناسلي هو الذي يفعل ذلك.
وكذلك مع المقولة التي لا أحد يعرف قائلها، لكنها مع ذلك مأثورة لدى جنس الرجال، وربما لدى بعض النساء أيضًا، وهي مقولة «يمتنعن وهن راغبات». فالأصل في المرأة – بحسب هذا القول – أنها راغبة، والاستثناء أنها ليست كذلك. وحتى في هذه الحالة، هي – عندهم – ترغب لكنها تمثّل. ومن يؤمن بهذا القول المأثور لا يصدق أن ثمة امرأة قد تمتنع حقيقة، أو أنه لا رغبة لها فعلًا إذا امتنعت.
وكذلك مع القول الشنيع الآخر: «عقولهن في فروجهن»، وهو من الأحاديث الموضوعة، لكنه قيل على أية حال وأخذ طريقه إلى التراث، وإلا لما تداولته الأجيال باعتباره حديثًا نبويًا حتى جاء محقق جهبذ وأكد أنه موضوع ولا أصل له. غير أن نفي صفة الحديث عنه لا يرفع البصمات التي يتركها في مسرح المخيلة الذكورية. فمن يعتقد بالمقولة الغبية «لا دخان من دون نار»، لا عجب أن يصدق أن ذلك المأثور صحيح نوعًا ما، وإلا فما كان لِوضّاع الأحاديث أن يرفعوه إلى مصاف الأحاديث النبوية المقدسة.
ويحدث في الجلسات الخاصة بالرجال أن يُطرح اسم سيدة معروفة بنضالها من أجل حقوق المرأة، أو بمواقفها الجريئة في الحياة، أو بإدارتها الحازمة في العمل، فيعلّق أحدهم بأنها تغطي بذلك على حاجتها الماسّة إلى «الحنان». فإذا كانت متزوجة، قال إن زوجها ربما يشخر كل ليلة بينما هي ترتدي له الثوب الأحمر، فتأتي وتستلقي إلى جانبه وهي بائسة باكية، وتقوم في الصباح بعينين حمراوين وتبدأ في الانتقام من البشرية.
وهذا كله يأتي في سياق بعض الكلام الذي يُردّد باعتباره «قد ثبت علميًا»، مثل القول إن شهوة المرأة سبعة أضعاف شهوة الرجل الورع، وإن ختان المرأة يساعد في «ضبطها» لئلا تجمح وتفقد السيطرة على نفسها وتجلب العار لعائلتها الكريمة.
وما يقال عن المرأة في هذا السياق كثير ويملأ المجلدات. وأعتقد أن كل الكلام عن نقص عقلها وقلة وعيها وخطل رأيها في جانب، والكلام حول سعارها الجنسي في جانب آخر، فمثل هذه النكات والتعليقات والمقولات و«الحقائق العلمية» عن الجنس لدى المرأة ترسخ في الأذهان أنها كائن شهواني يتخيل الكرة الأرضية سريرًا يدور حول الشمس.
وكان يمكن القول إن في هذا تحميل للأمر ما لا يحتمل، وأنها مجرد نكات مبتذلة تقال مثلها في الرجال، وأنها تعليقات سخيفة من لغو وثرثرة. لكن كثرتها وتنوعها، مدعومة بتراث يستخف بعقل المرأة ورأيها وإرادتها، وهو تراث مقبول ودرجة الوثوقية فيه عالية، تجعل الأمر أكبر من مجرد نكات وتعليقات، بل أقرب إلى الانطباع والتصوّر والتقييم.
وهذا الانطباع المبتذل عن المرأة لا يمر على عقول بعض الرجال مرور الكلام الفارغ، بل من مجموع ذلك وحصيلته – وقد ذكرت نماذج وعينات فقط – يكوّن هؤلاء صورة كارثية عن المرأة تضر بها كإنسان، وكيان، ومكانة، ضررًا شديدًا.
ولعل أول انطباع سيئ عن المرأة يكوّنه من يُطلق عليه وصف «المغازلجي»، وهو شخص يعيش من أجل العلاقات الغرامية، ولا همّ له في هذا العالم إلا التعرف على النساء. وغالبًا ما يُشاهد يؤدي مهمته في الحياة في «المولات» أو في مواقع التعارف والتواصل.
و«المغازلجي» يلح في التودّد والتقرّب ويجدّ فيه مع أي امرأة تعجبه، بغض النظر عن رأيها فيه أو تقبّلها لتغزله بها منه أو من سواه. ولا يتوقف عن الإلحاح عليها لأن لديه عقيدة راسخة بأنها تريده، وأن المسألة إما مسألة وقت، أو مسألة تقييم لأداء من يتغزلون بها. بمعنى أنها تريد أن يتغزل بها الرجال، لأن «طبيعتها» هكذا، لكنها لن تختار إلا أكثرهم تغزلًا ومكابدة.
وهكذا مع المتحرش الجنسي، لديه هو أيضًا اعتقاد جازم بأن من يتحرش بها ترغب وتريد أن يمرر أصابعه «اللذيذة» ويديه «السحريتين» على جسدها الملتهب، وأن القضية كلها اختيار وقت مناسب ومكان ملائم.
وأعتقد أن المحكومين في قضايا الاغتصاب، ممن يحملون تلك الأفكار عن المرأة، يتبادلون فيما بينهم أثناء تمضية الوقت في السجن حكاياتهم مع الضحايا، وأنهن كنّ يردن ذلك، أو على الأقل بدأن في الاستمتاع بالتجربة بعد المضي فيها.
وكم من شابٍ جلس مع فتاة برضاها في شقة أو مكان ما، ثم فجأة انقلب إلى ذئب هائج، وكأنّ وجودها معه لا يعني سوى أنها «تريد ذلك»، حتى لو لم تُبدِ كلمة أو إشارة. وحين تنكشف القصة وتتحول إلى قضية، يتسابق البعض للتشكيك: لعلها كانت راغبة، لكن ليس في ذلك اليوم بالذات. وهكذا تُختزل إرادة المرأة وتُسلب حريتها، لتصبح مجرد فرضية جنسية دائمة، لا يغيّرها رفض ولا يوقفها اعتراض.
ولا تزال عالقة في ذهني قضية حدثت قبل عشرين عامًا في دبي، عن حارس بناية تسلل ليلًا إلى شقة فتاة عربية تعيش وحدها، وتمدد بجانبها حاملًا سكينًا. لم تستطع مقاومته، ولا سيما حين بدأ يجرحها، فسايرته لتحافظ على حياتها. وبعد فعلته، صدّق مسرحيتها حين ادّعت أنها أحبته، لأنه كان أسير الفكرة الغبية أن كل شيء يُحلّ باللذة والوصال، فاطمأن إلى وعدها بالزواج، وتركها بانتظار الصباح، لكنها ذهبت مباشرة إلى الشرطة.
هذه القصة، مثلها مثل حكايات المساجين، تكشف كيف يمكن أن يعيش رجل في وهم كامل، مؤمنًا بأن المرأة – حتى حين تقاوم – إنما تفعل ذلك على سبيل التمثيل، وأنها في النهاية راضية، بل وشاكرة «للفعل العظيم» الذي أنقذها من وحدتها.
وقل مثل ذلك فيمن يسمع عن حالة اغتصاب؛ فإذا كانت المرأة في خياله كائنًا مسعورًا، فهو قد يدين ما تعرضت له بأشدّ العبارات، لكنه في نهاية اليوم يقول إنها ربما كانت تريد ذلك وراضية به ولو بنسبة واحد في المئة، مثل الأخت الفاضلة «سوسو». ولعلّ هذا يفسّر حالة النبذ أو الطلاق أو القتل التي تتعرض لها المرأة – ضحية الاغتصاب – على يد المقربين منها.
وبطبيعة الحال، المرأة في كل العالم تتعرض للتحرش والاغتصاب. لكن شتّان بين من يقدم على هذا الفعل لأنه يعرف أنه لا يسيطر على نفسه، وأن المشكلة فيه، وأنه يحتاج إلى زيارة طبيب نفسي، وبين من يقدم عليه بدافع «مساعدة» المرأة في نيل ما تتمنى.
وإذا فلتت المرأة من التحرش بها، لم تفلت من النظر إليها باعتبارها في مستوى البهائم، تعيش لتأكل وتتزاوج. ولا أدري كيف يمكن أن يؤمن رجل يعتقد أن الجنس عنوان المرأة، ثم يؤمن في الوقت نفسه أن لها عقلًا يفكر بعيدًا عن السرير، وأن لها إرادة غير إرادة التزاوج، وأن لها ذاتًا مستقلة عن الغريزة الجنسية، وأن لها أحلامًا وطموحات غير الحصول على الرعشة؟!
وأعتقد أن هذا التصوّر الحيواني عن المرأة أحد أهم أسباب الإساءة إليها، والاستخفاف بها، وتهميشها، وعزلها، والتشكيك فيها، ومعاملتها كالبقرة التي تُحبس في الحظيرة وتُعلّف جيدًا لاستغلالها والاستفادة منها.

اترك رد