حين تقول لشخص: «يا ثور»، فإن المحكمة لن تبحث في توافر القصد الجنائي من توجيه تلك الكلمة، فما قلته يعني ما قلته، ولا يعني مثلًا يا صديقي العزيز! وهو سبٌ معاقبٌ عليه وقضي الأمر، حتى لو كان المجني عليه يستحق ذلك الوصف الفخري. الكلمة خرجت كصفعة مسموعة في الهواء، والقاعة التقطت الصدى كجرس حديدي لا رجعة فيه.
لكن كثير من الأفعال التي يعاقب عليها القانون لا يؤثم فاعلها إلا إذا توافر لديه القصد الجنائي، أي اتجهت نيّته لارتكاب ذلك الفعل. ولأنه لا توجد في المحكمة طاولة تشريح يوضع عليها المتهم ليقوم الحاجب بشق صدره ومعرفة نيّته، فإن المحكمة تستخلص النيّة من ظروف الواقعة وملابساتها.
ولأن السبعة مليارات إنسان لا يتصرفون إزاء الظرف الواحد بطريقة واحدة، فإن المحكمة تنحي المتهم الماثل أمامها من مخيلتها مؤقتًا وتضع في مكانه الرجل المعتاد، وهو المتوسط بين الناس، وترى كيف كان سيتصرف هذا الرجل لو واجه الظروف التي واجهها المتهم، فإن وجدته يتصرف كما تصرف المتهم، فإنها تميل إلى الاعتقاد ببراءة المتهم، وإلا اتجهت لإدانته، بغض النظر عن نيته الحقيقية التي لا يمكن للمحكمة الاطلاع عليها.
تخيل أن رجلًا كان يقود سيارته في ساعة متأخرة من الليل، المحرك يئن في شارع صامت إلا من صفير الريح وأضواء الأعمدة الصفراء المتعبة. فجأة لمح امرأة تلوّح بيدها تحت عمود إنارة يضطرب كنبض قلب. ضغط على المكابح فأصدرت العجلات صريرًا حادًا اخترق السكون، فتوقف ليرى حاجتها. طلبت منه إيصالها، وصوتها المرتجف امتزج برائحة عطرها الثقيلة التي ملأت المقصورة. وبمنطق الرجل العادي، الذي قد يلين قلبه لرؤية أنثى وحيدة في شارع فارغ، قَبِل أن يتيح لها الركوب.
وفي أثناء الطريق، غافل السائق المرأة، سحب هاتفها المتحرك من يدها وألقاه إلى الخارج. وقع الهاتف على الإسفلت محدثًا صوت ارتطام مكتومًا تبعه وميض شاشة منطفئة. أقفل أبواب السيارة بصوت قفل معدني جاف، ثم انطلق بسرعة جنونية، والعداد يرتجف عقربه والهواء يصفع زجاج النوافذ. أوقف سيارته أمام البناية التي يقطن بها، وأقفل الأبواب على المرأة التي ارتجفت أنفاسها وعلت صرخاتها، ثم صعد إلى شقته مسرعًا. وبعد قليل نزل يحمل سكينًا تلمع شفرته تحت ضوء المصباح، ليجد الشرطة تحيط به من كل جانب.
في المحكمة، لن يصدق أحد رواية الرجل للأحداث: أنه ألقى هاتفها إلى الخارج لأنها صدّعت رأسه بثرثرتها، وأنه أقفل الأبواب لأنه معتاد فعل ذلك عند السرعة كنوع من الشعور بالأمان، وأنه كان مسرعًا فقط رغبة في الوصول إلى منزله لقضاء حاجته، وأنه أقفل الأبواب أمام البناية خوفًا من أن تهرب المرأة بسيارته، وأنه صعد بالفعل لقضاء حاجته ثم نزل يحمل السكين ليذبح خروفًا مع أصدقائه في جلسة شواء تفوح منها رائحة الفحم واللحم، بعد أن يوصل المرأة إلى بيتها. لن يصدقه أحد حتى لو كان صادقًا.
وعلى العكس، ستصدق المحكمة رواية المرأة: أنها كانت تقف تنتظر سيارة أجرة، وأن الرجل توقف، لطمها على وجهها فسمعت صفعة مدوّية ورأت شررًا يتطاير في عينيها، ثم سحب منها هاتفها وألقاه بعيدًا، ودفعها إلى السيارة التي انطلقت تصرخ إطاراتها على الإسفلت. ثم أخذ يهددها بالذبح إن لم ترضخ لرغباته. وأمام رفضها، أوقف سيارته أمام مقر سكنه وصعد لإحضار سكين يشهره في وجهها. سيصدق الجميع رواية المرأة حتى لو كانت كاذبة جملة وتفصيلًا، وسيدخل الرجل السجن بتهمة الخطف والتهديد وإتلاف مال الغير، لأن الرجل المعتاد لا يتصرف بتلك الطريقة.
وتخيل امرأة تهبط من الطائرة تحمل باقة ورود حمراء وصفراء، قطرات ماء تلمع على أوراقها الخضراء. تلوّح بها لزوجها من وراء الحاجز، فيبتسم. صالة الوصول مكتظة، أصوات الحقائب تتدحرج، نداءات الرحلات تتردد في مكبرات الصوت. وصلت إلى نقطة التفتيش، فطلبت من موظف الجمارك بلطف أن يمسك بالباقة. رفعها، قرّبها من أنفه، فاحت منها رائحة نفاذة غريبة، عندها تغيّر وجهه وقال ببرود حاد: «تفضلي معي». خطت خلفه بخطوات مترددة، قلبها يخفق، لتكتشف أن الباقة ليست سوى خشخاش يُستخرج منه الأفيون والهيروين.
الآن، سواء كانت مسكينة أو مهربة مخدرات محترفة، فإن تصرفاتها كانت طبيعية، تتوافق مع سلوك الرجل المعتاد، خصوصًا إذا قالت إنها اشترت الباقة من بائع ورود أمام مطار الإقلاع، كما يفعل المسافرون عادة. لكن لو كانت قد دسّت الباقة بين ثيابها أو في تجويف حقيبتها، وارتسم الارتباك على ملامحها منذ لحظة دخولها المطار، لتغير كل شيء: الرائحة، الحركة، النظرات، كلها ستشهد عليها كمجرمة.
وتخيل شخصًا دخل محل صرافة ليستبدل بعض الدولارات. وقف بثقة وسط ضجيج العملاء، أصوات العدّادات المعدنية تصرخ بالأرقام، ورائحة النقود الورقية الثقيلة تملأ المكان. حين فحص المحاسب الأوراق المالية رفع حاجبيه وقال: «هذه مزوّرة». ارتطم قلب الرجل بصدره كطبل أجوف، فأخذ يخبط رأسه في الجدار ويئن بصوت متقطع. حضر مدير المحل، طلب منه الانتظار إلى حين وصول الشرطة، فراح يصرخ باكيًا: «لقد خُدعت!». ومع ذلك انتظر حتى وصلت الشرطة، لأن حيازة عملة مزورة جريمة لا بد فيها من إثبات العلم بالتزوير. وبعد قليل من «البهدلة»، عاد الرجل إلى بيته كأن شيئًا لم يحدث، فقد كان سلوكه سلوك الرجل المعتاد، حتى لو كان في الحقيقة هو نفسه المزور الذي صنع الأوراق بيديه.
لكن تخيل آخر يدخل بقالة نائية، يشتري بضاعة ويناول البائع رزمة دولارات. بدأ البائع يتفحصها تحت ضوء أصفر باهت، ساوره الشك، فهرب الرجل مسرعًا، أقدامه تخبط في الأرض، ترك بضاعته وباقيه خلفه. التقط البائع رقم سيارته واتصل بالشرطة. في هذه الملابسات، لن يصدق أحد أنه كان يجهل أن العملة مزوّرة، لأن الرجل العادي لا يتصرّف بهذه الطريقة: لا يذهب إلى بقالة معزولة، ولا يشتري بعملة بلد آخر، ثم لا يفرّ كأنه لص، ولا يتنازل عن حقه في الباقي.
لذلك، لا تلعب بالنيّة أبدًا، ولا تقدم على تصرفات غير مألوفة عند إحساسك بوقوع مشكلة. كن دائمًا مثل الرجل المعتاد، فهو أفضل محامٍ لك على وجه الأرض.

اترك رد